الشيخ محمد عبد العظيم الزرقاني

196

مناهل العرفان في علوم القرآن

والمشاهدات ، ثم قادهم من وراء ذلك قيادة راشدة حكيمة ، إلى الاعتراف بتوحيد اللّه في ألوهيته وربوبيته ، والإيمان بالبعث ومسئوليته ، والجزاء العادل ودقّته ، ثم التسليم بالوحي وبكل ما جاء به الوحي من هدى اللّه في الإلهيات والنبوّات والسمعيات في العقائد على سواء . ( ثالثا ) أنه تحدّث عن عادتهم القبيحة ، كالقتل ، وسفك الدماء ، ووأد البنات ، واستباحة الأعراض ، وأكل مال الأيتام . فلفت أنظارهم إلى ما في ذلك من أخطار ، وما زال بهم حتى طهّرهم منها ، ونجح في إبعادهم عنها . ( رابعا ) أنه شرح لهم أصول الأخلاق ، وحقوق الاجتماع ، شرحا عجيبا كرّه إليهم الكفر والفسوق والعصيان ، وفوضى الجهل ، وجفاء الطبع ، وقذارة القلب وخشونة اللفظ . وحبّب إليهم الإيمان ، والطاعة ، والنظام ، والعلم ، والمحبة ، والرحمة ، والإخلاص ، واحترام الغير ، وبرّ الوالدين ، وإكرام الجار ، وطهارة القلوب ، ونظافة الألسنة ، إلى غير ذلك . ( خامسا ) أنه قصّ عليهم من أنباء الرسل وأممهم السابقة ، ما فيه أبلغ المواعظ وأنفع العبر ، من تقرير سننه تعالى الكونية في إهلاك أهل الكفر والطغيان ، وانتصار أهل الإيمان والإحسان ، مهما طالت الأيام وامتدّ الزمان ، ما داموا قائمين بنصرة الحق وتأييد الإيمان . ( سادسا ) أنه سلك مع أهل مكة سبيل الإيجاز في خطابه ، حتى جاءت السور المكية قصيرة الآيات ، صغيرة السّور . لأنهم كانوا أهل فصاحة ولسن ، صناعتهم الكلام ، وهمتهم البيان ؛ فيناسبهم الإيجاز والإقلال دون الإسهاب والإطناب . كما أن قانون الحكمة العالية ، قضى بأن يسلك سبيل التدرّج والارتقاء في تربية الأفراد ، وأن يقدّم الأهم على المهمّ ولا ريب أن العقائد والأخلاق والعادات ،